“الخوذ البيضاء” من تحت الركام إلى قمة هوليود

سجل حافل بالآلام، جرائم لم تمر على التاريخ البشري، ارتكبها النظام السوري وحلفائه وبقي جلها بعيد عن أعين الكثير، لقد كانت الجملة التي يُكاد أن يتفق عليها السوريين في بؤرة انتقام النظام “من الصعب وصف ما حدث على حقيقته”.
هناك أداة يمكن استخدمها كي يقدم الواقع كما هو، أنه الفيلم الوثائقي، تلك الأداة الأكثر قدرة على إيصال جزء من الحقائق كما هي، فالصورة والصوت يجتمعان في تقديم الحدث دون أي تدخل من الآخرين، ولذلك جال المصور والمخرج والعاملين السوريين وسط كل شبر من الأرض تعرض للحرب من أجل ذلك، قدموا حياتهم من أجل أن تخرج هذه الصورة وتساهم في إرسال صوت وصورة وآلام الآخرين لهذا العالم.
(الخوذ البيضاء) ينزع الأوسكار
في أول جائزة سورية في الأوسكار، انتزع الفيلم الوثائقي (الخوذ البيضاء) أمس جائزة أكاديمية فنون وعلوم السينما (أوسكار) عن أفضل فيلم وثائقي قصير في الدورة 89 التي تتواصل فعالياتها في هوليود.
الفيلم الذي يقدم لمحة صغيرة عن معاناة كبيرة يعيشها المسعفين المدنيين في سوريا أثناء عملهم، منع مديره (رائد صالح) والمصور (خالد الخطيب) من السفر إلى الولايات المتحدة بسبب كثافة غارات النظام السوري على بعض المناطق السورية، حيث قال (صالح) قبل أيام من إعلان الجائزة “لن أسافر بسبب ضغوط العمل جراء تكثيف النظام استهدافه لأحياء في دمشق ودرعا وحمص”.
وتمكن مخرج الفيلم خلال نصف ساعة هي مدة الفيلم من توثيق عمليات الإنقاذ والمشاهد المروعة التي يتعرض لها المسعفون جراء القصف والغارات، حيث جعلت غارات النظام السوري وحلفائه حياة هؤلاء المتطوعين الذين يعملون منذ العام 2014 في خطر شديد، فما أن يهرع مجموع منهم للبحث عن الأحياء تحت الأنقاض، حتى يدرك أن هناك المزيد من القنابل قد تسقط في المكان نفسه، إذ قتل 162 منهم، منذ عام 2013، وأنقذوا ما يقارب 58 ألف مدني من تحت الأنقاض.
يقول أحد العاملين على تصوير الفيلم الإعلامي (حسن كتان) “ركزنا في الفيلم على تضحيات القبعات البيضاء، التضحية الإنسانية في سبيل إنقاذ الآخرين، فالأفلام هي أفضل وسيلة لنقل هذا الشعور للعالم، تعجل المشاهد يعيش في أجواء عاشتها شخصيات الفيلم”، ويضيف لبلدي نيوز “الأفلام هي أفضل طريقة لنقل ذلك، فمساحة الحرية الكبيرة والوقت المريح يُمكن من نقل قصص المعاناة التي يعيشها السوريين داخل المناطق التي تتعرض للقصف”.
يشار إلى أن اسم “الخوذ البيضاء” هو نسبة إلى الخوذ التي يضعها نحو 3 آلاف متطوع على رؤوسهم. ويرفعون شعار الآية القرآنية الكريمة “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جمعيًا”.
آخر الرجال في حلب
“الفيلم استثنائي، ولا يشبه فيلما آخر”، بهذه الكلمات وصفت لجنة تحكيم مهرجان “ساندانس” السينمائي في الولايات المتحدة الأمريكية الفيلم السوري “آخر الرجال في حلب”.
لذلك انتزع هذا الفيلم الذي أخرجه السوري فراس فياض، ومركز حلب الإعلامي، الجائزة الكبرى للجنة التحكيم عن فئة وثائقي العالم، وقد جرى تصويره قبل سقوط مدينة حلب، وتناول المعاناة التي عاشها أهالي المدينة حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت تهجيرهم، رويت فيه حكايا الشبان الذين قضوا بقصف روسي، رغم أنهم كانوا يعملون في مجالات إغاثية لا علاقة لها بالقتال، وقد استغرق العمل عامين حيث بدأ تنفيذ فكرته منذ عام 2013 مع تأسيس الدفاع المدني الخوذ البيضاء في المدينة، يقول المخرج فراس فياض لبلدي نيوز “على مدى عامين حاولنا توثيق حياة تسعة شباب من متطوعي الدفاع المدني، حاولنا أن نروي قصة الخوف على الأصدقاء والعائلة، والأبناء، ومعنى الخسارة وقسوتها واستمرار هذه الخسارة وتأثير الصراع على كل هذه الشخصيات”.
يذكر أن فياض أخرج عدة أفلام عن الواقع السوري منها “المسافة صفر”، الذي صوّر بين فصائل المعارضة في الشمال السوري، وعرضته قناة الجزيرة القطرية، وهو مخرج وسيناريست كتب وأخرج عددًا من الأفلام، سواء الوثائقية أو الخيال.
الوثائقي يقدم “الثورة كما عشناها”
المخرج السوري (علاء خويلد)
مؤخرًا، تمكن فيلمين وثائقيين أنجزهما المخرج السوري (علاء خويلد) من الوصول إلى النهائيات في مهرجان “رحمة للعالمين” الدولي الذي ينظمه “وقف السيرة ” التركي في اسطنبول للسنة الثالثة على التوالي.
الفيلم الأول “رمق من تراب “يتحدث عن مناطق سوريا المحاصرة ومعاناتها في ظل غياب الأكل ومستلزمات الحياة الأساسية، ويقدم الفيلم حلول لدعم المحاصرين حتى يستطيعوا الزراعة معتمدين على أنفسهم داخل مناطقهم، أما الفيلم الثاني (أثر) فيتحدث عن أثر الصلاة في الحياة اليومية بإخراجها من قالبها الجامد ودمجها بالواقع، ويهدف الفيلم إلى الربط بين حركات الصلاة وحركات أفعال الخير التي يمارسها الناس يومياً أو يجب أن يمارسوها، وقد فاز (أثر) بالمرتبة السادسة في هذه المسابقة”.

يقول المخرج (خويلد) “هذه الأفلام وغيرها هي ملفات لتوثيق التاريخ لمن سيأتي بعدنا، نحن نريد أن نصور ونقدم الثورة كما عشناها وعاشها غيرنا من السوريين”، ويتابع (خويلد) القول لبلدي نيوز “فيلمي سيقدم رؤيتي وفيلم صديقي سيقدم رؤيته وهكذا حتى لا تضيع منا أية مفصل من مفاصل القضية، وحتى يرى الجيل الذي يأتي بعدنا ما عشناه ورأيناه”. ويستدرك (خويلد) “هذه الأفلام أيضًا وسيلة لعرض الثورة للعالم البعيد عنها، حتى تصل القضية السورية للعالم بطريقة حقيقية، فما يجري على أرض غامض وملتبس ولذلك هناك صعوبة في تجسيده سينمائياً”.
حفظ أصول الثورة ومنشأها
يُعرف الفيلم الوثائقي بأنه “الفيلم الذي تعرض فيه حقائق بصورة حيادية ودون إبداء رأي فيها، فهو يحوي سردا تاريخيًا وسياسيًا لمواقف سجلت سابقًا، أو لنكبات أو حروب حصلت في الماضي أو الحاضر القريب”، لذلك يكون هذا النوع من الأفلام بمثابة سجل هام لأحداث كأحداث الثورة السورية، وهو فرصة كبيرة لنقل المعاناة الإنسانية في أكثر بقاع الأرض خطورةً، كما يشكل الوثائقي إنجازا كبيرا لإعلام الثورة وتتويج لتضحيات الفئات المتعددة من الشعب السوري.
تقول المخرجة الفلسطينية (بهية نمور) “لا شك بأن توثيق الأحداث خاصة في مراحل الثورة المتعاقبة سيحفظ على المدى البعيد أصول هذه الثورة ومنشأها وما تعرض له الإنسان السوري من ويلات دفع ثمنها ظلمًا قتلًا وتشريد وفقدا للأحبة”، وتتابع القول لبلدي نيوز “هذا التوثيق الحاصل في الفيلم الوثائقي والذي تزداد أهميته بوصوله لمنصات التتويج يعني ضمنا ازدياد انتشار رسالته ووصول صوت هؤلاء للعالم وهذه غاية أسمى من التوثيق لذاته بل لصناعة رأي وتحريك الضمائر تجاه قضية عادلة وكسب الدعم كل الدعم الممكن للإنسان السوري”.
تغير صورة يقدمها النظام
يعود بنا الإعلامي السوري (أحمد الهواس) إلى بداية العمل الإعلامي الثوري، حيث كان نشطاء الإعلام ينقلون المظاهرات واعتداءات أمن وشبيحة النظام على المتظاهرين السلميين من خلال الهواتف الذكية إلى وسائل الإعلام، ويصف هذه المرحلة بأنها “الأكثر تأثيراً، وذات الأثر الكبير على المتلقي, فقد تمكن الناشطون من توثيق عدة مجازر تم تصويرها ومن ثم بثها عبر وسائل الإعلام المختلفة”.
ويتابع (الهواس) القول لبلدي نيوز “ثمة سلاح مؤثر مازال موجوداً, ويتمثل ذلك في الأفلام الوثائقية، فالفيلم الوثائقي الذي يقوم على التوثيق الدقيق بالصوت والصورة وكذلك مقتطفات خبرية يمكن أن يغير الصورة التي يحاول النظام ومن معه زرعها وتكريسها في أذهان الناس بأن ما يحصل في سورية حرب ضد “عصابات إرهابية”، ويعقب “الفيلم الوثائقي هو الأكثر تأثيرًا الآن بالمتلقي”.
ويعتبر (الهواس) أن إهمال هذا الجانب يصب في مصلحة النظام وحلفائه, فضلاً عن غياب الحقيقة في ذهن المتلقي أو تشويها, ولهذا يجب أن يكون هناك جهات داعمة لتلك الأعمال, وأن يقوم عليها محترفون من كتّاب ومصورين ومخرجين, باستخدام وسائل التأثير المختلفة, حتى تصل الصورة الحقيقية للمتلقي في كل مكان.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد