الموروث الثقافي وأثره على خطاب الثورة

 

لقد أتى الربيع العربي على منطقة متنازع عليها من قبل القوى الكبرى منطقة مسلوبة القرار منقسمة إلى محورين : محور الدول الممانعة المحسوبة على إيران  ومحور دول الاعتدال المحسوبة على الغرب وكانت سوريا محسوبة زورا على محور الممانعة , وتميز هذا المحور بأدبيات خاصة تميزه عن غيره أهم مفرداتها : أن إسرائيل هي العدو الأزلي والأبدي والوحيد للأمة , وله مطامع توسعية تمتد على الأقل من الفرات إلى النيل , وأن الصهيونية العالمية متحكمة بمفاصل العالم , وأن أمريكا الحامية لها تمثل الشر الأكبر , وأن الديمقراطية الغربية هي مزاعم لا رصيد لها , وأن دول الخليج عموما هم العربان الذين فرطوا بالحقوق , وأن القضية الفلسطينية هي قضية الأمة المحورية , وأن تيار المستقبل يمثل فئة عميلة للغرب , وبالمقابل فإن إيران هي الدولة الوحيدة التي تتصدى للمشروع الغربي , وأن حزب الله هو حامي الحمى , وهو الظاهرة المعجزة في وجه إسرائيل , وأن النظام الأسدي هو حامي عرين العروبة وقلعة القومية العربية .

لكن الثورة السورية قلبت المفاهيم رأسا على عقب وبينت أن من يدعون المقاومة والممانعة ما هم إلا محض أعداء حقيقيين , يفعلون أكثر مما تفعله إسرائيل العدو المعلن  , اختبأوا خلف رايات خداعة تدغدغ الشعور القومي وتداعب الحس الإسلامي , في مكيدة كادت أن تجر على الأمة بلاء كبيرا , تلقاه الشعب السوري بصدور أطفاله نيابة عن الأمة جمعاء , وقد انحاز محور الممانعة عموما إلى الحلف المعادي للشعب السوري , وفي أحسن الأحوال وقف على الحياد , وانحاز محور الاعتدال التابع للغرب إلى حلف أصدقاء الشعب السوري وفي أسوأ الأحوال كان حياديا .

وحين نعد الممانعين سوف يصاب الكثيرون بالصدمة والذهول فهناك دول وكيانات وأفكار وقفت في وجه تطلعات الشعب السوري كأغلبية القوميين واليساريين , وكان ينتظر منهم الدعم والتأييد , لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فهناك موروث ثقافي بقي عالقا في أذهان النخبة المثقفة في الثورة السورية , وهؤلاء لا يزالون يصدقون دعاية النظام عن عدو أول هو الغرب , ويحرم على الجميع التعاطي معه بوصف ذلك  عمالة وخيانة عظمى , وأن إيران – مهما فعلت – يمكن التفاهم معها وأن حزب الله – مهما فعل – يمكن أن تغفر له مواجهته لاسرائيل .

وعندما تعاظم الخطر الإيراني ولم يعد ممكنا إخفاؤه ربطوه بعلاقة مفترضة مع إسرائيل ليجعلوه منفعلا في الحدث لا فاعلا حقيقيا , وكأن المهم عندهم أن تبقى إسرائيل هي العدو الأول على الرغم من أن مذبحة واحدة كالتي حدثت في البيضة أو الحولة أو جديدة الفضل أو الصنمين كافية لتصنيف إيران كعدو أول للشعب والأمة .

ومن الموروث الثقافي أن يرى هؤلاء أن الجهود يجب أن تنصب على هدف واحد هو تحرير الأقصى والقدس , ومن الموروث أيضا أن يروا دول الخليج غريبة عن جسد الأمة , ومن موروث المثقف السوري أن الكثيرين  على استعداد أن يقفوا مع محور الممانعة  في أي صدام ضد الجانب الإسرائيلي أو الأمريكي وفي الصفوف الأولى بل يذهبون كاستشهاديين ليكسب الممانعون الطائفيون – تحديدا – وسام المقاومة . وترى الكثيرين يكيلون الشتائم للدول الداعمة للشعب السوري كدول الخليج ولا يتحدثون عن مذبحة تديرها إيران وتؤيدها روسيا وتنفذه ا فرق الموت الطائفي البغيض .

……………. الكاتب والباحث السياسي : عبد الناصر محمد .

                            

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد