لماذا تأخر الحسم في الثورة السورية؟

                                                                   أسباب تأخر الحسم

يتساءل الكثيرون- في السر أو في العلن- عن الأسباب الحقيقية وراء تأخر الحسم في الثورة السورية, في الوقت الذي حسمت فيه ثورات الربيع العربي أمورها سريعاً, وهذا السؤال مشروع وحقيقي، مع أن هناك سؤالاً آخر يقابله عن أسباب تأخر الحسم بالنسبة للنظام السوري الحاكم، لا سيما بعد تلقيه دعماً غير محدود من تحالف الشر الإيراني الروسي.

وبالحديث عن تحالف الشر الذي دعم النظام يمكننا اعتبار أن وقوف هذه القوى الاستعمارية إلى جانب النظام القاتل هي السبب الأساسي في تعثر قطار الثورة السورية، فهذه الدول وضعت كل إمكانيتها للحيلولة دون سقوط النظام، ودعمته سياسياً وعسكرياً ولوجستياً وخططياً وإعلامياً، ولا تزال تدعمه, وتمتلك هذه الدول عتاداً حربياً غير محدود يكفي لإحراق دول بعينها, كما تمتلك خزاناً بشرياً لا ينقطع، تمت تعبئته بالحقد وحب الجريمة، ثم زجوه  في الداخل السوري ليحصد أرواح الأبرياء بلا رحمة ويبطش بالعباد بلا هوادة.

لكن العوامل الخارجية تلك ليست وحدها السبب في تأخر الحسم, فهناك عوامل داخلية أشد فتكاً من سابقتها أنهكت العمل الثوري وأعطبت كثيراً من مفاصله, ويمكن إجمال الأسباب الداخلية بالنقاط التالية:

  1. الفرقة: فقد تفرقت صفوف الثوار والمعارضة إلى درجة وصف الفرقة بالظاهرة المستفحلة في العمل الثوري, وتفرقت الصفوف إلى درجة اليأس من إمكانية توحدها, تفرقت الصفوف مع توفر كل العوامل الداعية للتوحد كالهدف المشترك والخطر الداهم. وواجهت الثورة السورية عدوا موحدا بصفوف متفرقة مما أفسد العمل الثوري وأفقده زخمه وقوته.
  2. التطرف: وهو ظاهرة ذميمة في العمل السياسي والثوري معاً، فمن حيث يبدو أن التطرف يشير إلى القوة والخشونة لكن في الحقيقة ضعف وثغرة كبيرة، حيثما حل، وأكثر ما يؤذي التطرف يؤذي المقربين قبل الأعداء, لكن الحق يقال بأن التطرف الموجود في المشهد السوري كان مفتعلاً ومخططاً له مخابراتياً بطريقة معقدة أوقعت كثيراً من الشباب السوري في فخه، فتغيرت أهدافه وانحرفت بوصلته.
  3. ضحالة الوعي السياسي: حيث أحاطت بالثورة السورية كل أنواع التعقيدات السياسية الدولية وتضارب المصالح وتداخل الخرائط والتحالفات، بحيث يصعب على السياسي المحترف فك طلاسم المشهد الدولي المتداخل في سورية بعداً وقرباً, فكيف تتمكن النخب التي حرمت من مزاولة السياسة لعقود من الزمن من فعل ذلك؟ النخب التي أصابها التصحر السياسي إضافة إلى ما حضر من مؤامرات عملت على إعطاب الوعي الثوري وخلط الأوراق في وجهه.
  4. الثقافة الموروثة عن النظام: ليس خافياً على أحد أن نظام الأسد- في عهدي الأب والابن- حرص على صناعة ثقافة تحميه للمدى البعيد من العواصف المحتملة وتقيه من شر الزلازل المتوقعة, تلك الثقافة لم تكن بعيدة عن النخب الثورية التي ورثت جزءاً كبيراً منها فكانت معارضتها للنظام باهتة مائعة تفوح منها رائحة البعث أحياناً ورائحة الشعارات الجوفاء في معظم الأحيان، مما أدى إلى استنساخ نخب ومعارضات مشابهة لعقلية النظام.
  5. الفوضى وانعدام التنظيم: فهي ظاهرة استحكمت في العمل الثوري حيث سادت الارتجالية وردود الأفعال والفوضى في العمل الثوري بعيداً عن العمل المحكم الذي يتبعه تطبيق دقيق، وهذا ما جعل أفعال البعض تلغي نتائج أفعال الآخرين وتحبطها.
  6. الأنا وحب السلطة: فبدلاً من تسابق الأشخاص لدفع مركب الثورة إلى شاطئ الأمان والنجاة راحوا يتسابقون لإثبات الذات وحجز موقع مرموق للـ «أنا» وبدلاً من السعي لحماية الوطن من شرور الغزاة المحتلين انهمك الكثيرون في حماية مكتسباتهم الشخصية مما جعل الكثيرين معنيين بترتيب أوضاعهم الشخصية على حساب العمل الثوري.
  7. النزوع الحزبي: فظاهرة التحزب غلبت على العمل الثوري فقد تأسست المعارضة السورية في الخارج ابتداءً من «المجلس الوطني» ثم «الائتلاف الوطني» على أساس فكرة الحزب لا على أساس الإطار النخبوي الممثل للشعب، فالأحزاب التي تشكلت منها المعارضة لم تكن تمثل سوى طيف ضيق من الشعب السوري ولذلك كانت المعارضة منعزلة عن الشعب السوري الحر منشغلة بالتنافس فيما بينها على احتلال أكبر عدد من المقاعد. ولم تقتصر ظاهرة «الحزبية» على المجلس الوطني والائتلاف فقد انتشرت ظاهرة تشكيل الأحزاب على نطاق واسع في عام 2013 و 2014 دون الأخذ بعين الاعتبار أن الأحزاب تتشكل في المرحلة الانتقالية لا في مرحلة العمل الثوري، ففي أحسن الأحوال فإن الحزب يخدم نفسه ولا يخدم الشعب والثورة.
  8. ظاهرة المندسين: التي نخرت صفوف الثورة وأنهكت قواها وعملت على صناعة خطاب ثوري يضر بالثورة ويخدم النظام, كما نجحت في صناعة قواعد مضللة للعمل السياسي بحيث تسير الثورة في الاتجاه المعاكس لمصالحها, وقد نجح النظام الأمني في سورية في دس عناصره في كل مكان في الداخل والخارج، وفي كل الميادين العسكرية والإعلامية والمدنية والسياسية، ففقدت الثورة زمام المبادرة وضيعت عنان القرار.
  9. انتشار الفساد المالي: يقولون اذا اردت أن تفسد ثورة فعليك بإغراقها بالمال، وفي حقيقة الأمر لا ينطبق هذا الكلام كثيراً على الثورة السورية، فلم يكن الدعم المالي كافياً لإنجاز الحد الأدنى من أهداف الشعب السوري ومن تطلعاته المشروعة، لكن مال الدعم كان كافياً ليصنع الفاسدون في المعارضة السورية ثروات طائلة على حساب الشعب الملتاع، فليس العيب في المال لكن العيب في الأيدي الآثمة التي تلقت هذا المال، ولم تستثمره في خدمة العمل الثوري، وخاصة فيما يتعلق بالجانب الإعلامي وهو ركن أساس وشرط ضامن لإنجاح أي عمل.
  10. نقص الكوادر: فقد عانت الثورة السورية شحاً كبيراً في «التكنوقراط» ونقصاً حاداً في الخبرات وفي شتى المجالات التي تحتاجها الثورة السورية، سواءً الفكرية منها والتقنية، وذلك لأسباب تتعلق بسياسة النظام الاستبدادية التي كانت تحرص على خنق الطاقات وعزل المبدعين ومضايقتهم، لكن من المهم القول إن ما تمتلكه الثورة من طاقات مبدعة تم عزلها أيضا عن العمل الثوري وإبعادها عن خدمة أهداف الثورة، بتأثير من الشخصيات التي حجزت الصفوف الأولى في المعارضة ولم تفسح المجال لغيرها لتقديم خدماته.

أيا تكن الأسباب المتعلقة بتأخر الحسم الثوري فإن الثورة السورية لا زالت تمتلك الكثير من عوامل القوة التي تبقيها كرقم صعب في معادلة صراع الحق والباطل والعدل والظلم.

الكاتب والباحث السياسي : عبد الناصر محمد .

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد