لمحة تاريخية عن الجولان

 

الجولان في التاريخ القديم

إن الاشتقاق اللغوي لكلمة الجولان يدل على اتصاله بكلمة (اجوال) وهي تعني البلاد التي تعج فيها الغبار ويثبت ذلك ما يحدث فعلاً في الجولان من هبوب للرياح وتعجيج الغبار في نهاية الصيف وبداية الخريف إذ يتغير اتجاه الرياح وتصبح عنيفة وغير منتظمة أو زوبعية أحياناً.

على مدى التاريخ سيطرت على المنطقة حضارات متعددة. مع نهاية الألف الثالثة قبل الميلاد سيطر عليها العموريون أو عاموليق الذين وصلوا في تلك الفترة إلى أواسط بلاد الرافدين وسوريا على شكل موجات كبيرة من شبه الجزيرة العربية واستمرت سيطرتهم حتى ظهور الآراميين، الذين قدموا كما يعتقد من جنوب الجزيرة العربية ليؤسسوا مجموعات زراعية مستقرة ودولاً واسر حاكمة في سورية.

ورد اسم الجولان قبل الإسلام فقد كان العرب يطلقون اسم الجولان على جبل في بلاد الشام يسمى «جبل الجولان» وكان جزءاً من إمارة الغساسنة العرب الذين حكموا في جنوب سوريا وعاشوا وتركوا فيها اثاراً تنتشر في أنحاء كثيرة من سوريا لعل أشهرها «قصر الحير».

في العهد القديم يذكر اسم جولان في سفر التثنية وفي «سفر يشوع» كإحدى مدن الملجأ الثلاثة الواقعة عبر نهر الأردن والتي يلجأ إليها من قتل إنسانًا سهوًا وخشي من الانتقام. وتذكر مدينة جولان كمدينة واقعة في منطقة «باشان» ضمن الأراضي التابعة، أورد هذه المعلومة الجغرافي الفرنسي «آبل فيرمي» في كتابه جغرافية فلسطين ص 11 الموضوع باللغة الفرنسية وهذا التفسير الذي يحاول ضم الجولان إلى أرض باشان غير صحيح لأنه اسم المنطقة هو بالأصل لمحلة معروفة باسم «سحم الجولان» من ارض باشان والحقيقة إن سحم الجولان اسم مكان اضيف إلى إقليم الجولان الموجود قبلاً، فيقول الدكتور: «ر.دوسويري» في كتابه الطبغرافية التاريخية لسورية القديمة في العصور الوسطى الصادر في باريس عام 1927 : إن التعسف في استخدام اللغة هو الذي أعطى لاصطلاح باشان وبخاصة في الأدب العبراني مفهوماً أوسع تتجاوز بموجبه مملكة «عوج» ملك باشان حدود «باثانيا» (وهذه هي ارض باسان اسم بيت سان- بيسان)، ولكن هذا لا يبرر تعديلاً في قيمة الاصطلاح الجغرافي فالاتجاه الذي يبديه محررو أسفار التوراة لتوسيع اصطلاح باشان ليشمل كل ممتلكات عوج يجب تصحيحه، ولقد جرّ ذلك إضافات على النص التوراتي من السهل تقصيها واكتشافها لسبط منسي.

يصف «يوسيفوس فلافيوس» (37-100 للميلاد تقريبا) منطقة الجولان في كتابه «حروب اليهود»، ويذكر معركتين حدثتا فيه: معركة بين الملك اليهودي «إسكندر يناي الحشموني» والملك العربي النبطي «عبادة»، ومعركة بين اليهود المتمردين والجنود الرومان في مدينة «جملا» (نحو سنة 70 للميلاد).

 

الجولان في القرن ال20

كانت هضبة الجولان ضمن حدود فلسطين الانتدابية عندما تم الاعتراف بالانتداب رسمياً في عام 1922، ولكن بريطانيا تخلت عن الجولان لفرنسا في الاتفاق الفرنسي البريطاني من 7 مارس 1923. وأصبحت الهضبة تابعة لسوريا عند انهاء الانتداب الفرنسي في عام 1944.

عند رسم الحدود الدولية في 1923 بقيت في منطقة الجولان داخل الحدود السورية، وهذا استنادًا إلى اتفاقية سايكس بيكو (بتعديلات قليلة) بين بريطانيا وفرنسا اللتين احتلتا بلاد الشام من الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. وبعد تأسيس سلطة الانتداب الفرنسي على بلاد الشام، قررت فرنسا تقسيم منطقة الانتداب إلى وحدتين سياسيتين – سوريا ولبنان – وحددت الجبال الواقعة شمالي الجولان (جبل روس، جبل الشيخ وغيرهما) الحدود بين البلدين. ولكن السلطات الفرنسية لم ترسم الحدود بين سوريا ولبنان بدقة لاعتبارها حدودا داخلية، مما أثار الخلافات والمشاكل بين البلدين عندما استقلت كل منهما من فرنسا، حيث أصبحت الحدود الفرنسية حدوداً دولية. وما زالت هذه المشاكل قائمة في منطقة مزارع شبعا وقرية غجر وحتى تعقدت إثر تداعيات احتلال الجيش الإسرائيلي لهضبة الجولان عام 1967.

في 15 مايو 1967 تأزمت حالة النزاع بين إسرائيل ومصر وتدهورت بسرعة إلى أزمة إقليمية. وفي 5 يونيو 1967 اندلعت حرب 1967 بين إسرائيل وكل من سوريا والأردن ومصر. وفي الأيام الأربعة الأولى من الحرب تم تبادل إطلاق النار خفيف وشكلي بين الجيشين السوري والإسرائيلي دون هجومات برية ما عدا محاولة فاشلة، قامت بها قوة دبابات سورية، للدخول في كيبوتس دان. أما في 9 يونيو 1967، بعد نهاية المعارك في الجبهتين المصرية والأردنية، غزا الجيش الإسرائيلي الجولان واحتل 1260 كم2 من مساحة الهضبة بما في ذلك مدينة القنيطرة. في صفقة سرية بين إسرائيل وحافظ أسد الذي كان وقتها وزيرا للدفاع، نزح جميع سكان القنيطرة من بيوتهم إثر الاحتلال ولجأوا إلى داخل الأراضي السورية وكذلك نزح الكثير من سكان القرى الجولانية من بيوتهم ومزراعهم، ولكن سكان القرى الدرزية شمالي شرقي الجولان بقوا تحت السيطرة الإسرائيلية. أما سكان قرية غجر العلويون فبقوا في منطقة متروكة بين الجيش الإسرائيلي ولبنان، وبعد عدة أسابيع لجؤوا إلى الحاكم العسكري الإسرائيلي ليعتني بهم عندما أخذوا يعانون من نقص التغذية.

في أكتوبر 1973 اندلعت حرب أكتوبر وشهدت المنطقة معارك عنيفة بين الجيشين السوري والإسرائيلي. أثناء الحرب استرجع الجيش السوري مساحة قدرها 684 كم2 من أراضي الهضبة لمدة بضعة الأيام، ولكن الجيش الإسرائيلي أعاد احتلال هذه المساحة قبل نهاية الحرب. في 1974 أعادت إسرائيل لسوريا مساحة 60 كم2 من الجولان تضم مدينة القنيطرة وجوارها وقرية الرفيد في إطار اتفاقية فك الاشتباك، وقد عاد إلى هذا الجزء بعض سكانه، باستثناء مدينة القنيطرة التي ما زالت مدمرة. في السنوات الأخيرة شهدت المنطقة المجاورة للقنيطرة نمواً سكانياً ونشاطاً عمرانياً واقتصادياً لافتاً، ولكن الدخول إلى بعض المناطق المجاورة لخط الهدنة لا يزال ممنوعا حسب تعليمات السلطات السورية إلا بتصريح خاص. في ديسمبر 1981 قرر الكنيست الإسرائيلي ضم الجزء المحتل من الجولان الواقع غربي خط الهدنة 1974 إلى إسرائيل بشكل أحادي الجانب ومعارض للقرارات الدولية.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد