حافظ الأسد: كيف أضحى بائع الجولان بطل “تشرين التحرير” ؟!

 

لا يُعرف على وجه الدقة إن كان حافظ الأسد المولود في (القرداحة) بريف اللاذقية عام 1930، هو من مواليد السادس من تشرين الأول / أكتوبر، أم أن هناك من بدّل تاريخ ميلاده، كي يتوافق لاحقاً مع ما سمي بـ (حرب تشرين التحريرية) ليبدو هذا الحدث التاريخي مرتبطاً بعيد ميلاده الشخصي، على طريقة البروغاندا التي يصنعها الطغاة، حين يحاول جهابذة النفاق أن يربطوا بين الأحداث الشخصية في حياة هذا الديكتاتور، والحدث العام في سيرة وطن بأكمله… لكن سواء أكان ميلاد (حافظ بن علي الأسد وناعسة شاليش)، متوافقاً مع تاريخ حرب تشرين حقيقة أم مجرد دعاية، يحق لنا أن نقرأ سيرة حافظ الأسد في ضوء حدث الحرب التي مر  (44) عاماً على اندلاعها… فكيف تبدو ملامح (بطل التشرينين) كما دأب الإعلام البعثي على تسميته، في ضوء القراءة الحرة لحدث (حرب تشرين) كما يسميها السوريون، أو (حرب السادس من أكتوبر) كما يطلق عليها المصريون؟! وهل استطاعت هذه الحرب في الأساس أن تحرر ما احتلته إسرائيل في هزيمة حزيران عام 1967 من الأراضي السورية، التي دأب إعلام الأسد طيلة عقود على تمنين السوريين بأن جلادهم كان: (بطل التحرير)!!

في 23 شباط / فبراير عام 1966، تم تعيين حافظ الأسد وزيرا للدفاع خلفاً للعلوي محمد عمران.

كان حافظ الأسد آتياً من إدارة سلاح الجو الذي تولى قيادته في كانون الأول / ديسمبر 1964، وهناك فكر بتأسيس نواة جهاز المخابرات الجوية لتدعيم سلطته.

بعد أكثر من سنة وأربعة أشهر من تقلده منصبه كوزير للدفاع، وسنتين وسبعة أشهر من وجوده في رئاسة سلاح الطيران، وقعت هزيمة الخامس من حزيران عام 1967.. وسقط الجولان بيد الاحتلال الإسرائيلي.

لم يكن حافظ الأسد إذاً جديداً على منصبه، ولا طارئاً على وجوده ضمن قيادات الجيش، ولهذا كتب المفكر السوري د. سامي الجندي في كتابه (أتحدى وأتهم) الذي أصدره في نهاية الستينيات، يقول بالحرف وبحدة: (سَقًطَ الجولان ولم يُحاكَم إنسانٌ واحد من الذين يجب أن يتحملوا مسؤولية الهزيمة، ذلك أن البدء بالمحاكمات يفضح الكثير من الأسرار. إن أي عسكري مبتدئ يعرف أن طبيعة الأرض في الجولان تسمح للجيش السوري أن يصمد لأشهر، ومع ذلك سقط بساعات).

من يمكن أن يكون في رأس من كان يجب أن يحاكموا، إن لم يكن وزير الدفاع أولا، باعتبار أن خسارة أي حرب يتحمل مسؤوليتها وزراة الدفاع (مع باقي أركان النظام) في كل قوانين وأعراف الدول والحروب؟!

لا حاجة لنا لإعادة الرواية التي بات يعرفها السوريون جيداً، عن بيان وزير الدفاع بإعلان سقوط القنيطرة في حرب 1967 قبل سقوطها بثلاث ساعات، فقد كتب الإسرائيلي جيرمي بوين في كتابه (ستة أيام: كيف شكلت حرب 1967 الشرق الأوسط) يقول: ” وصلنا للقنيطرة من دون أي عائق تقريبًا… كان هناك غنائم في كل مكان حولنا. كل شيء كان لا يزال يعمل. محركات الدبابات لم تتوقف، معدات الاتصال لا تزال في وضع العمل، وقد تم التخلي عنها. سيطرنا على القنيطرة دون قتال”.

أما مجلة (التايم) الأمريكية، فقد نشرت تقريراً تقول فيه: ” خان راديو دمشق جيشه بإعلان سقوط مدينة القنيطرة قبل ثلاث ساعات على سقوطها. ذلك التقرير المتحدث عن استسلام مركز قيادتهم حطم معنويات الجنود السوريين الذين بقوا في منطقة الجولان “.

لقد صار لقب (بائع الجولان) عنوان وصمة العار في جبين حافظ الأسد… إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا أراد (بائع الجولان) الذي صمت العالم المتحضر في السادس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1970، على انقلابه على أركان الحكم، ووضعه رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، وأعضاء القيادة القطرية في السجن؟! ثم صعوده كي يتسلم السلطة كواحد من أبناء الأقليات في بلد حكمته الأكثرية… لماذا أراد أن يخوض حرباً للتحرير… ما دام قد باع الجولان حقاً؟!

يقول المحللون أن حافظ الأسد أراد أن يعطي مشروعية لانقلابه العسكري للاستئثار بالسلطة، بحيث يبدو بطلاً ومحرراً، بعد أن تجرع كأس الهزيمة المرة كوزير دفاع في حرب 1967 او قبض ثمنها، رمى الهزيمة على أكتاف نظام لم يكن هو رئيس الجمهورية فيه، ثم مضى يعلن حرب التحرير.

تحالف مع مصر السادات، وكان السادات بدوره تواقاً لتسجيل انتصار عسكري، يباهي به في تاريخه ويمحو صورة عبد الناصر الكارمزية في نظر مؤيدي تياره القومي، الذي أنتج الهزيمة.

يقول الكاتب جيفري كمب في وصفه لوقائع حرب السادس من تشرين الأولى: ” في السادس من شهر أكتوبر، تمكنت القوات المسلحة المصرية من عبور القناة باستخدام تقنيات جديدة مثيرة للإعجاب من ابتكار المهندسين المصريين أنفسهم، ونجحت في اقتحام خط بارليف وتابعت اندفاعها باتجاه وسط سيناء. واقتربت القوات السورية من تحقيق انتصار حاسم عندما فاجأت بهجومها الشامل القوات الإسرائيلية التي تحتل مرتفعات الجولان وباستخدام قوّة جرارة، وكادت تنجح في طردهم منها. وبرز في البدايات الأولى لتلك الحرب الاستخدام الفعّال “للقنابل الموجهة بدقة” PGM المضادة للطائرات والدبابات والتي أرسلها السوفييت لدعم القوات المصرية والسورية، وكانت وراء التفكير بابتداع وسائل تدمير بعيدة المدى، وهكذا بدأ عصر استخدام الصواريخ “.

ورغم أن العرب لم يتركوا الأسد وحيداً حينها في مواجهة إسرائيل، فشاركت فرق عسكرية عربية في الحرب، واتخذت دول الخليج بمبادرة من الملك فيصل بن عبد العزيز (الذي كثيرا ما ناصبه إعلام البعث العداء) والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، قرارا بحظر تصدير النفط إلى الولايات المتحدة، بسبب إنشائها جسراً جوياً لدعم إسرائيل… إلا أن القوات السورية التي تقدمت بشكل كبير ومباغت، سرعان ما تُركت دون تغطية جوية، بل دون إمداد في عمق الجبهة (هل يمكن أن يكون ذلك بريئاً؟)… وسرعان ما تحول النصر الذي صنعه سوريون آمنوا بحق وطنهم في استعادة الأرض المحتلة وقاتلوا ببسالة، إلى هزيمة… فاستعادت القوات الإسرائيلية زمام المبادرة، وتمكنت من السيطرة على سيناء ومرتفعات الجولان، وأحكمت حصارها على مواقع الجيش المصري الثالث على الجبهة الغربية. وفي الجبهة الشمالية، نجحت القوات الإسرائيلية في دفع القوات السورية إلى ما وراء خط الهدنة لعام 1967 وباتت تهدد دمشق ذاتها. وتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بناء على مبادرة أطلقها وزير الخارجية الأميركي الشهير هنري كيسنجر.

درج من تحدثوا عن سيرة حافظ الأسد وانتصاره المزعوم في حرب أكتوبر، على اتهام السادات بأنه أرادها: (حرب تحريك لا حرب تحرير) وأن قبول مصر بقرار مجلس الأمن رقم (338) القاضي بوقف إطلاق النار، قد أصاب الجبهة السورية بمفاجأة فاضطرت إلى وقف تنفيذ هجوم مضاد… وصولا إلى إعلان وقف الأعمال القتالية وتوقيع اتفاقية فصل القوات في 13 مايو عام 1974.. إلا أن هدوء جبهة الجولان خلال أربعين عاماً من ذلك التاريخ، يسخر من اتهام السادات وحده بأنه أرادها (حرب تحريك لا حرب تحرير) فقد انتهى حافظ الأسد سريعاً على ما يبدو من عرضه العسكري الذي انتحل من خلاله صفة (بطل تشرين التحرير) وخلد إلى معاركه الداخلية ضد الشعب السوري، التي كانت ذورتها في عهده، مجزرة حماه 1982 التي دمرت ثلثي المدينة وقتلت وشردت 100 ألف من أهلها.. فيما بقيت جبهته مع إسرائيل الأكثر هدوءاً بشهادة العدو نفسه!

كانت خسائر (حرب تشرين التحريرية) في الجانب السوري: 3 آلاف شهيد، و 800 دبابة، و 160 طائرة… وعشرات القرى التي خسرها… أما صورة حافظ الأسد المحرر وهو يرفع العلم السوري على أطلال مدينة القنيطرة (المحررة) فقد بقيت مجرد صورة… فالقنيطرة انسحب منها الجيش الإسرائيلي عملياً في حزيران يونيو من عام 1974، أي بعد توقيع اتفاقية فصل القوات، وكان تخلى إسرائيل عنها مثيراً للجدل، حيث رفضه المستوطنون وحزب الليكود، حتى أنهم أقاموا مستوطنة في ضواحي المدينة لفترة وجيزة، وعندما زارها حافظ الأسد في صيف (1974) بعد تدميرها قبل خروج الجيش الإسرائيلي منها، تعهد بإعادة بنائها، واستعادة الأرض المحتلة.

بقي حافظ الأسد بعد ذلك التاريخ (26) عاماً في سدة الحكم، فلا هو وفى بعهده بإعادة بناء القنيطرة، ولا هو استعاد شبراً واحداً من الأرض المحتلة.

أكثر من ذلك… دخل إرئيل شارون لبنان واجتاح بيروت في حزيران عام 1982، ودمر الدفاعات الجوية السورية وأسقط طائرات للجيش السوري المتواجد في لبنان حينها… و”بطل تشرين التحرير” لم يحرك ساكناً.. وبعد 16 عاماً تنازل لتركيا وفق اتفاقية أضنة الأمنية عام 1998 عن لواء اسكندرون في الشمال، ليتجنب حرباً معها بسبب دعمه لحزب العمال الكردستاني، وتنازل عن مزارع شبعا لحزب الله في الجنوب كي يبقيها ذريعة لاستمرار سلاح حزب الله، بحجة تحريرها!

عندما أعلن عن وفاة حافظ الأسد في العاشر من حزيران عام 2000 كتبت إحدى الصحف اللبنانية الممالئة: (10 حزيران نكسة التاريخ) أما التاريخ اليوم فيرى أن يوم ميلاده لا وفاته كان هو يوم النكسة!

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد