جيل “الخلافة” تهديد حقيقي

كثيرة هي الملفات التي تؤرّق بال المهتمين بالشأن العام من السوريين، كملف «التغيير الديمغرافي» الذي تعمل حكومة «ملالي طهران» جاهدة عليه، وملف المهجّرين قسراً من بيوتهم سواء إلى داخل سورية أو إلى خارجها، وملف الانتقال السياسي في سورية عبر منصات عدة كمنصة «جنيف» ومنصة «فيينا» وأخيراً منصة «أستانة».

لكن الملف الأكثر خطورة ولا ينتبه إليه الكثيرون هو ملف «أطفال داعش»!. نعم أطفال تنظيم داعش هم جيل من الصغار الذين يتلقون بشكل مكثف ودوري دورات في التطرف والإرهاب، على يد شرعيي داعش في مناطق سيطرة التنظيم «سيء السيرة والصيت».

هناك يتم- في الظلام- استنبات غراس الإرهاب بصمت واحتجاب عن وسائل الإعلام بهدف بقاء الملف مستوراً حتى لا يلتفت إليه الحقوقيون من ناشطي المنظمات المدنية وحقوق الإنسان ورعاية الطفولة، فيفسدوا على التنظيم خططه الرامية إلى صناعة جيل خشن متوحش لم يتعلم في الحياة إلا دروس «قتل الحياة».

يخشى العالم كله من الإرهاب لا لأنه يمتلك مزيداً من العدة والعتاد، بل لأنه يفتقر إلى أدنى ضابط خلقي أو قانوني أو ديني يلجم حركته ويقيّد مساره، ويخشى العالم من الإرهاب لأنه يضرب حيث شاء وبشكل مفاجئ، وغالباً ما يكون المستهدف بعيداً عن العداوات السياسية والتجاذبات المعقدة.
عادة ما تكون الجهات المستهدفة من الإرهاب بريئة من أي تهمة وبعيدة عن أي تخندق واصطفاف، لكن مقاربة التنظيمات الإرهابية تعتمد على ضرب الأبرياء الذين يسهل الوصول إليهم عقوبة لجهات يصعب الوصول إليها.

ولئن كانت فكرة «القانون» قائمة على مبدأ معاقبة المذنبين فإن فكرة «الإرهاب» تنطلق من مبدأ معاقبة الأبرياء، وفي ذلك يقف الإرهاب على الضفة المقابلة للقانون تماماً مع كثير من الوحشية والهمجية والفوضى.

ولئن كانت خطورة الإرهاب متمثلة فيما تقدم ذكره فكيف ستكون الحال عندما يصبح الإرهاب «تربية» يتلقاها جيل من الأطفال منذ نعومة أظفارهم؟.

ففي مدينة «الرقة» عاصمة الخلافة الداعشية المزعومة يجبر الأطفال على ترديد الشعارات الصباحية ممزوجة برائحة الموت، لتبدأ بعدها الدروس التي تعلّمهم فنون الجريمة، وحين يأتي وقت اللعب واللهو فلا مانع لدى «المربّي الداعشي» أن يقذف إلى تلاميذه «كرات» من رؤوس البشر المقطوعة، ليركلها الأطفال في الملعب، بدلاً من الكرات المطاطية.

وحول هذا صدر تقرير بريطاني عن أطفال داعش بتاريخ «7مارس / آذار 2016» أعدته مؤسسة في لندن لمكافحة التطرف، ولقي دعماً من الأمم المتحدة، كشف عن تركيز التنظيم على الأطفال؛ باعتبارهم جيل المستقبل القادم، وأنهم الجيل الذي سيؤمن مشروع «الخلافة».

وجاء في التقرير، الذي أعدته مؤسسة «كويليام»، أن الأطفال الذين يعيشون في ظل «تنظيم داعش» ومن بينهم 50 طفلاً، يجبرون على المشاركة في عمليات الإعدام الجماعية، ولعب كرة القدم بالرؤوس البشرية المقطوعة؛ من أجل تحويلهم إلى مقاتلين شرسين. وكتب معدو التقرير أن المنظمة الإرهابية تركز جزءاً كبيراً من جهودها على “تثقيف” الأطفال، من خلال مقرر تعليمي متطرف، وتربّيهم كي يصبحوا إرهابيي المستقبل.

وبحسب تقرير المؤسسة، فإن “الجيل الحالي من مقاتلي التنظيم يعد الأجيال القادمة أفضل منهم، فهذا الجيل تربى في ظل تعاليم «الخلافة»، ولم يتلوث بالعيش في ظل أنظمة علمانية، ولم يتحولوا إلى الأيديولوجية الراديكالية، بل تربوا في ظلها، وتشرّبوا قيمها منذ الولادة حتى الشباب”.

وجاء هذا التقرير بعد ظهور طفل بريطاني اسمه «عيسى دير» في شريط دعائي للتنظيم، وقد لبس الزي العسكري، ووضع شريطة سوداء حول رأسه، مشيراً إلى أن عيسى ليس استثناء، فبحسب دراسة معدي التقرير، فإن تنظيم داعش استخدم على مدى ستة أشهر 12 طفلاً.

ويجد التقرير أن النظام التعليمي المعمول به في مدارس «داعش» مهم في عملية تربية وتثقيف الأطفال، وخلق الجيل الثاني من المقاتلين، وتبدأ العملية من المدرسة، حيث يتم تعليم الأطفال القيم المتشددة، ويدربون على السلاح، ويستخدمون في مهام، منها التجسس والحراسة والقتال والأعمال الانتحارية، وعندما يصلون إلى سن 10 إلى 15 عاماً ينقلون إلى معسكرات التدريب، حيث يتم تعليمهم أساليب القتال الوحشية، ولا يسمح للفتيات «جواهر الخلافة» بالمشاركة في معسكرات التدريب، فمهمتهن هي البقاء في البيت ورعاية المقاتلين.

ويبين التقرير أن التنظيم يعتمد أحياناً على الأطفال لإعدام من يرفضون الانصياع لأوامره وتعاليمه، لافتاً إلى أنه بإجبار الأطفال على المشاركة، فإن التنظيم يقوم بتطبيع العنف داخلهم، حيث يتم تعليم الأطفال على كيفية القيام بعمليات انتحارية، ويطلب منهم ارتداء أحزمة ناسفة وهم يقومون بأعمال مثل الحراسة، حيث يفجرون أنفسهم في حال تعرضهم لهجوم.

ويلاحظ التقرير أن التنظيم استخدم الأطفال بشكل كبير في دعايته، ففي الفترة ما بين 1 آب/ أغسطس من العام 2015 إلى 9 شباط/ فبراير 2016، وجد الباحثون أن الأطفال ظهروا في 254 مناسبة ودعاية للتنظيم.

ويضيف التقرير ما مفاده أن الأطفال يجبرون على الانضمام للتنظيم بوسائل عدة، مثل الترهيب والتهديد بالجلد والتعذيب والاغتصاب أو الاختطاف.

المطلوب من أولي الشأن من حقوقيين وناشطين ونخب أن يقفوا بمسؤولية وجدية حيال هذا الملف لحماية من يُسمون «أطفال الخلافة» من الانزلاق في هاوية التطرف والإرهاب، وذلك بتشكيل «هيئة مختصة» تدير هذا الملف بحكمة واقتدار.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد