مصالح ” إسرائيل” الأمنية ستؤدي لتصعيد ضد سوريا ولبنان

تناولت دراسة أجراها معهد الأبحاث القومي في جامعة تل أبيب الخطوط الإسرائيلية الحمراء بشأن التواجد الإيراني والقوات الموالية لإيران في سوريا، في ظل ما يتضح أنه تناول لمستقبل جنوبي سوريا من وراء ظهر إسرائيل، بما لا يلبي مصالحها الأمنية، وتخلص إلى ضرورة أن تكون “إسرائيل” على استعداد للعمل بمفردها على صد النفوذ الإيراني في سورية، بكل ما ينطوي ذلك على أمكانية حصول تصعيد.

لفتت الدراسة بداية، بحسب ما نشره موقع عرب48، إلى الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن مناطق خفض التوتر جنوبي سوريا، والتي تتضمن تفاهمات بشأن نشر قوات إيرانية وقوات موالية لها في المدى الحدودي في الجولان غير المحتل والذي أعلنت إسرائيل أنها لن توافق على التواجد الإيراني فيها، مشيرة إلى أن الحديث عن المرة الثانية، خلال الشهور الستة الأخيرة، التي يتم فيها تناول مستقبل جنوبي سوريا بين روسيا والولايات المتحدة من وراء ظهر “إسرائيل”، بحسب الدراسة.

وأشار الباحثان اللذان أعدا الدراسة، وهما الباحث في “المعهد لأبحاث الأمن القومي” أودي ديكل، والباحث تسفي ماغين، وهو السفير الإسرائيلي السابق في موسكو، إلى الإعلان في فيتنام عن التفاهمات التي توصلت إليها روسيا والولايات المتحدة والأردن، بشأن مناطق خفض التوتر جنوبي سوريا لمدة ستة شهور مع إمكانية التمديد، والتي تتضمن إبعاد القوات الإيرانية والموالية لها من الحدود مع إسرائيل إلى بعد يتراوح ما بين 7 إلى 20 كيلومترا، كما تتضمن تفاهمات بشأن منطقة فاصلة منزوعة السلاح بعرض 5 كيلومترات بين قوات المعارضة وبين القوات الإيرانية.

وأشارت إلى أن إسرائيل عملت من وراء الكواليس في جولة المحادثات التي جرت سابقا بين الولايات المتحدة وروسيا في عمان، في تموز/يوليو 2017، حيث طالبت بإبعاد القوات الإيرانية إلى مسافة تصل إلى 60 كيلومترا من الحدود، وإقامة منطقة عازلة حتى السويداء شرقا ودمشق شمالا. ولكن لم يتم الاستجابة لهذا المطلب إلا بشكل جزئي، حيث جرى الحديث عن إبعاد القوات الإيرانية إلى مسافة 20 – 30 كيلومترا من الحدود مع إسرائيل. وفي جولتي المحادثات تبين أن مسألة ترسيخ التواجد الإيراني في سورية عامة، وبضمنها إقامة قواعد برية وبحرية وجوية، وبنى إنتاج وسائل قتالية متطورة وتخزينها، لم تحظ بأي اهتمام.

كما أشارت الدراسة إلى امتعاض إسرائيلي من التقارير التي تحدثت عن هذه التفاهمات بشأن جنوبي سوريا، حيث صرح كبار المسؤولين أن الاتفاق تمت صياغته بخطوط عامة أكثر من اللازم، وجرى التأكيد فيه على معارضة إسرائيل لأي تواجد عسكري إيراني في سورية، بدون أي علاقة بمكان التواجد. كما أن مسؤولين إسرائيليين حذروا من أنه بالرغم من كون الاتفاق أفضل من التفاهمات السابقة بين روسيا والولايات المتحدة، فإنه لا يزال لا يلبي المصالح الأمنية الإسرائيلية في سورية. وبالنتيجة فإن إسرائيل ليست ملتزمة، وستواصل الحفاظ على “الخطوط الحمراء” التي وضعتها.

وتابعت أن وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، صرح أن الاتفاق لا يشمل تعهدا روسيا بانسحاب إيران والقوات الموالية لها من سوريا، كما أن تواجد إيران في سوريا يعتبر مشروعا لأنه بناء على طلب النظام الرسمي والشرعي في سوريا.

واعتبرت الدراسة هذا التصريح الروسي على أنه يهدف إلى تهدئة إيران، والتأكيد على أن روسيا تهتم بمصالحها. وبنظرة شاملة، فإن السياسية الروسية تدرك أن نظام الأسد مهتز ولن يصمد بدون الدعم العسكري لإيران وحزب الله و”الميليشيات الشيعية التابعة لإيران”، والتي تقوم بـ”العمل القذر” على الأرض لصالح الأسد، وأيضا لصالح روسيا. أما بالنسبة لإيران، فإن دورها المستقبلي في سوريا واضح: الأسد، أو “أي قائد علوي” يخلفه، سوف يحكم سوريا بشكل يكون مرتبط فيه بالمطلق بإيران. أما بالنسبة لهوية الرئيس الجديد والمبنى السلطوي، فإن الآراء تختلف بين الحلفاء، حيث أن إيران تحارب من أجل بقاء الأسد في الحكم، الأمر الذي لا ينطبق على روسيا التي تبدي استعدادا لاستبداله من سدة الحكم ببديل أفضل بالنسبة لها. أما بالنسبة لمبنى الحكم، فإن روسيا تعتقد أن النظام الفدرالي في سوريا ذو قابلية تطبيق عالية أكثر، في حين أن إيران معنية بسلطة “مركزية علوية قوية خاضعة لإمرتها”.

وخلافا لروسيا وإيران، بحسب الدراسة، فإن الولايات المتحدة، في ظل إدارة دونالد ترامب، ليس لها إستراتيجية متبلورة بشأن الوضع الحالي في سوريا ومستقبلها. والمهمة الحالية في سوريا، بحسب ترامب، كسابقه باراك أوباما، هي القضاء على تنظيم الدولة. ورغم أن المهمة قد أوشكت على الانتهاء، إلا أنه لا يوجد قرار بشأن إدارة أو تسليم المناطق التي تم تحريرها من قبضة داعش، وكذلك موعد إخلاء آلاف الجنود الأميركيين في هذه المناطق.

وتابعت الدراسة أنه بالرغم من إدراك واشنطن لكون إيران عامل عدم استقرار في المنطقة، فإنه لا يوجد خطة أميركية محددة بشأن التواجد الإيراني في سوريا. ومن الصعب توقع أن تقوم الولايات المتحدة بمغامرة عسكرية ضد التواجد الإيراني على ضوء العبر المؤلمة في العراق وأفغانستان.

وتقول الدراسة إنه بالرغم من أن الطريق لإنهاء القتال وتحقيق الاستقرار في سوريا لا تزال طويلة، إلا أنه يبدو أن إيران هي “المنتصر الأكبر”. فالولايات المتحدة وروسيا قدمتا لها السيطرة والنفوذ في سوريا على طبق من ذهب، ولا رغبة لديهما في الدخول في مواجهة معها، بينما تعمل على تثبيت سيطرتها في سوريا للمدى البعيد من خلال إقامة قواعد ومعسكرات للقوات التابعة لها، وإقامة بنى إنتاج وتخزين وسائل قتالية. كما بدأت مؤخرا بتجنيد مواطنين سوريين لقوات جديدة تعمل على بنائها بموجب نموذج حزب الله.

وتابعت الدراسة أن إسرائيل على حافظت على عدم التدخل فيما يجري في سورية منذ العام 2011، إلا في حال وجود تهديد حقيقي. وبالنتيجة فهناك غياب للتأثير الإسرائيلي على المعركة الحالية حول صياغة وجه سوريا، وإبقائها تحت نفوذ إيران لترسخ تواجدها فيها. و”عندما أدركت إسرائيل أنها غفلت عن ذلك، وضعت خطوطا حمراء يلزم تجاوزها برد عسكري”.

وهذه “الخطوط الحمراء”، بحسب الدراسة، لا تعبر عن مدى جغرافي من الحدود، وإنما عن تضافر شروط مادية وقدرات عسكرية متطورة ونوعية، وظروف ترسيخ التواجد الإيراني، وخاصة بواسطة أعوانها، جنوبي سوريا، والذين يشكلون تهديدا بالنسبة لإسرائيل بما يلزم برد عسكري، دون أن تشير إلى قدرات هذه القوات وحجمها، ونوعية وقوة التهديد الإيراني وأعوان إيران التي تقتضي الرد العسكري.

ولذلك، تضيف الدراسة، فإن الضبابية في وضع “الخطوط الحمراء” بدون تفاصيل يفترض أن تتيح لإسرائيل مرونة معينة في ردها، حيث يقف أمامها إمكانيتان: الأولى عرض موقف واضح بشأن ما هو مشمول في الخطوط الحمراء، مثل البنى التحتية الإيرانية لإنتاج وتركيب وتخزين الوسائل القتالية في كافة أنحاء سوريا، ما يعني التهديد الحقيقي لإسرائيل، وترسيخ التواجد الإيراني بما يصعب اقتلاعه لاحقا؛ أما الإمكانية الثانية فهي الحفاظ على الضبابية ووضع “الخطوط الحمراء” بواسطة الأفعال وليس الأقوال، أي تفعيل قوة عسكرية بموجب تقدير التهديد.

وفي هذه الحالة فإن إسرائيل لا تلتزم مسبقا بفعل معين، وتخلق حالة من عدم اليقين في الجانب الإيراني. وفي المقابل، فإن هذه الضبابية قد تجر إيران إلى محاولة قياس رد الفعل الإسرائيلي من خلال اتخاذ خطوات متدرجة ومتراكمة، والتي تنطوي على تصعيد يكون من الصعب السيطرة على درجاته.

وينهي الباحثان الدراسة بالقول إنه “على ما يبدو يقترب اليوم الذي ستضطر فيه إسرائيل إلى العمل في سورية بنفسها إذا كانت ترغب في صد النفوذ والترسخ الإيراني فيها. فإسرائيل لديها القدرة على تدمير المشروع الروسي والإيراني في سوريا، وضرب أسس النظام السوري. وعليها أن تلوح بهذه الورقة، والحفاظ عليها لوقت قد تتعقد فيه الأمور أو لا تتمكن من صد النفوذ الإيراني في سوريا. وعلى إسرائيل أن تظهر تصميما في مطالبتها بإبعاد القوات الإيرانية والقوات الموالية لها من هضبة الجولان، ومنع إقامة بنى تحتية عسكرية إيرانية في سوريا تعزز قوة نظام الأسد.

ومن المهم إدراك أن ذلك ينطوي على إمكانية حصول تصعيد على الجبهة الشمالية، جبهة سوريا، وقد ينزلق إلى لبنان. وبالتأكيد فإن الولايات المتحدة وروسيا لن تفعلا شيئا من أجل إسرائيل، ولكن من الجائز الافتراض أن ترامب قد يعطي إسرائيل الضوء الأخضر للعمل بموجب رؤيتها وبأي شدة تختارها، ولكنه لن يوفر بالضرورة لها شبكة أمان في حال تورطت، ولذلك عليها أن تكون جاهزة للعمل وأن تستعد للتصعيد وتقدير أبعاد ما تقوم به بشكل صائب”.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد