“الآلية الدولية المحايدة” في سوريا ومحاسبة مجرمي الحرب.

من يلاحق مجرمي الحرب في سوريا، وما هي الآليات لمحاكمتهم، وما دور المجتمع الدولي في ذلك؟ أسئلة تشغل السوريين الذين خسروا الكثير في حرب لم تنته.

منذ أكثر من ست سنوات، تعرض السوريون لانتهاكات لا تحصى، بدءًا من العنف في مواجهة المسيرات السلمية والاعتقالات العشوائية، إلى جرائم القتل والتدمير والإبادة باستخدام مختلف أنواع الأسلحة، بما فيها الكيماوية والمحرمة دوليًا، وليس انتهاءً بالحصار والتجويع والتهجير القسري.

وتصنف هذه الانتهاكات على أنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي الإنساني.

وتورطت في هذه الجرائم، إلى جانب النظام السوري وحلفائه والميليشيات المساندة له، مجموعات مسلحة سيطرت على مناطق سورية، ومارست كذلك جرائم وانتهاكات ضد المدنيين ما يستوجب متابعتها جنائيًا، عما اقترفته من جرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري.

وتنشئ الأمم المتحدة لجان تحقيق وبعثات تقصي الحقائق، للتصدي لحالات الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لتعزيز المساءلة عن هذه الانتهاكات، ومكافحة الإفلات من العقاب.

لجنة التحقيق الدولية المستقلة

أنشأ مجلس حقوق الإنسان بدورته الاستثنائية السابعة عشرة في آب 2011 لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، وعهد إليها بولاية التحقيق في جميع الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان منذ آذار 2011، بغية ضمان مساءلة مرتكبي هذه الانتهاكات بما فيها الانتهاكات التي قد تشكل جرائم ضد الإنسانية.

وقد وصلت لجنة التحقيق لأدلة ووثائق مؤكدة عن حدوث جرائم كبرى في سوريا ترقى لمستوى جرائم ضد الإنسانية، وأصدرت سبعة عشر تقريرًا حول ذلك.

الآلية الدولية المحايدة والمستقلة

تم إنشاء الآلية الدولية المحايدة والمستقلة للمساعدة في التحقيق والملاحقة القضـائية للمسـؤولين عن الجرائم الأشد خطورة بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول 2016.

يرأس الآلية “كاثرين ماركي-أويل” وهي قاضية فرنسية سابقة تتمتع بخبرة دولية واسعة في محاكمة جرائم الحرب والفصل فيها.

وتدعم المنظمات المدنية السورية الآلية منذ تأسيسها، وأرسلت عدة منظمات غير حكومية سورية في شباط 2017 رسالة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة تتضمن توصيات من شأنها أن تساعد الآلية على فهم أولويات السوريين، وتعزيز أهمية الآلية، والقبول العام لها من قبل السوريين.

وفي أيار 2017 اجتمع فريق تأسيس الآلية مع مجموعة واسعة من منظمات المجتمع المدني السورية، في لوزان بسويسرا، ووفر الاجتماع منبرًا لتقديم التوصيات، وتبادل وجهات النظر بين الجانبين، كما عاود الفريق الاجتماع مع رئيسة الآلية، القاضية ماركي-أويل، في تشرين الأول الماضي.

مفاهيم خاطئة حول الآلية الدولية المستقلة

تُطرح العديد من التساؤلات حول قدرة الآلية على تعزيز المساءلة في سوريا، كما تبرز لدى السوريين عدد من المخاوف إزاءها لعل أبرزها:

أولًا: الآلية الدولية المحايدة والمستقلة هي نسخة مكررة من لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا

تتمتع كل من الآلية ولجنة التحقيق بتفويضين مكملين لبعضهما، ولكنهما متمايزان بشكل واضح:

لجنة التحقيق الدولية الآلية الدولية المحايدة والمستقلة
تحقق في انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان المرتكبة خلال النزاع السوري مع التركيز على تحديد حقائق وظروف الانتهاكات. حفظ معلومات الأدلة وتحليلها، وتقاسمها مع محاكم الجرائم الدولية المرتكبة في سوريا. جمع الأدلة على الانتهاكات وحفظها وتحليلها.
تعتمد في جمع بيانات التحقيق على الإفادات المباشرة للضحايا والشهود، ولا تعمل بمثابة قاعدة بيانات مركزية للأدلة.
تعتمد في جمع البيانات على مصادر متنوعة تشمل لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا، والدول، والمنظمات الدولية والإقليمية وغير الحكومية. ويمكن لمصادر خارجية أن تشارك أدلتها طوعًا مع الآلية، بحيث يتم إضافتها إلى قاعدة بياناتها.
تقدم جميع بياناتها إلى الآلية الدولية، التي يمكنها بعد ذلك التواصل مع المصادر لتطرح عليهم الأسئلة أو الطلبات للحصول على أدلة تكميلية.
من المتوقع أن يكون للآلية مشاركة أكبر مع المنظمات غير الحكومية السورية مقارنة مع لجنة التحقيق.
تنشر تقارير عن التحقيقات التي تجريها بشكل علني تتضمن النتائج والتوصيات.
ليس مطلوبًا من الآلية الدولية الإبلاغ عن عملها بشكل علني، ولن يطلع الجمهور على ما توصلت إليه من نتائج إلا بعد أن تُرفع دعاوى قضائية.

ثانيًا: الآلية الدولية المحايدة والمستقلة لا ترفع دعاوى قضائية

الآلية الدولية المحايدة والمستقلة ليست محكمة أو مكتب مدعي عام أو هيئة قضائية، وإن مهمة رفع الدعاوى التي تقوم بها هي ما يجعلها أداة قوية محتملة للعدالة والمساءلة في سوريا، فهي ستخفف من عبء التحقيق الذي يتحمله المدعون العامون.

لم تُحدد بعد المحاكم التي ستشارك معها الآلية الملفات القضائية، وسيعتمد مكان المحكمة على الأدلة التي تجمعها الآلية، ومكان وجود المشتبه بهم.

ثالثًا: الآلية الدولية المحايدة والمستقلة ستشارك المعلومات والقضايا مع الحكومة السورية

أوضحت الأمم المتحدة عند تأسيس الآلية أنها لن تشارك بياناتها إلا مع الهيئات القضائية التي تحترم القانون الدولي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

إن الانتهاكات الموثقة لحقوق الإنسان وجرائم الحرب التي ارتكبتها الحكومة السورية الحالية تستبعدها تمامًا من الوصول إلى أي بيانات أو أدلة ذات صلة بالآلية.

وفي حال حصول انتقال سياسي ناجح في سوريا، فإن أي حكومة لاحقة تسعى للفصل في القضايا أمام محاكم سوريا الوطنية باستخدام أدلة وبيانات من الآلية، سيتعيّن عليها أن تُظهر سجلاً قويًا لاحترام سيادة القانون والمعايير القانونية الدولية.

رابعًا: الآلية الدولية المحايدة والمستقلة هي الجهة الوحيدة القادرة على رفع القضايا

لا تملك الآلية حقًا حصريًا في رفع القضايا، ولن يحول وجودها دون رفع القضايا بشكل منفصل عنها، من قبل المنظمات غير الحكومية ومجموعات الضحايا والمتطوعين.

خامسًا: الأمم المتحدة لا تموّل الآلية التي أنشأتها

تعتمد الآلية حاليًا في تمويلها على التبرعات المقدمة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بدلًا من التمويل المباشر من المنظمة لأنها لا تزال في مراحلها الأولى، وقد حث الأمين العام للأمم المتحدة الجمعية العامة على بحث توفير تمويل للآلية في أقرب وقت ممكن، مما يشير إلى إمكانية تخصيص أموال للآلية من تمويل الأمم المتحدة في المستقبل.

للمزيد: https://www.enabbaladi.net/archives/189148#ixzz50WerQRhH

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد