المعارضة و”الهيئة”: إعادة ضبط العلاقة على ايقاع المواجهة الكبرى

واجهت “هيئة تحرير الشام” وفصائل المعارضة المسلحة المُشتَرِكة في عمليات التصدي للهجمات البرية التي شنتها مليشيات النظام وتنظيم “الدولة الإسلامية”، شرقي سكة الحجاز في إدلب وحماة وحلب، خلال الشهرين الماضيين، مجموعة كبيرة من التحديات انعكست على العلاقة بين فصائل المعارضة. ووصل الجميع إلى قناعة مشتركة بضرورة التحضير للمواجهة الكبرى التي تبدو مقبلة لا محالة، عبر الحفاظ على المناطق شرقي سكة الحجاز التي يشكل سقوطها بوابة لخسارات متلاحقة في عمق مناطق سيطرة المعارضة.
ولم ينفع النحيب ولا الفتاوى والخطابات التحفيزية التي أطلقها أنصار “تحرير الشام”، طيلة شهرين من معارك الكر والفر في ريف حماة الشمالي الشرقي على جبهتي النظام و”داعش”، لدفع بقية فصائل المعارضة للمشاركة في معركة الاستنزاف الراهنة. وكانت “تحرير الشام” بأعمالها العدائية تجاه فصائل المعارضة قد دفعت “أحرار الشام” و”حركة الزنكي” و”جيش الأحرار” وكتائب محلية أخرى في ريفي حلب وإدلب، إلى اعتزال العمل المسلح. وظلت تلك الفصائل ثابتة على مواقفها من “تحرير الشام” باعتبارها الجهة المسؤولة عما يحدث، وطالبتها بأن تقدم اعتذاراً عملياً عن كل بغي مارسته بحق الفصائل، وتعيد الحقوق وتفرج عن مئات المعتقلين من الفصائل لديها. ومن هنا، يمكن البناء والتحضير للعمل المشترك.

بدت مطالب المعارضة والفصائل الإسلامية أكثر وضوحاً بعدما أخفقت “تحرير الشام” في القضاء على “الزنكي”. وباتت “تحرير الشام” مضطرة للرضوخ والحوار مع ضحاياها من الفصائل بدل النحيب الذي لم يجدِ نفعاً في حشدها للقتال مجدداً، في الوقت الذي كانت فيه المواجهة مع تنظيم “الدولة” تتصاعد في ريف حماة، وفي داخل المناطق المحررة، على خلفية استنفار خلايا “لواء الأقصى” لنصرة “داعش”، داخلياً وفي ميدان المعركة. وتزامن كل ذلك مع اقتراب موعد إعلان “أنصار الفرقان” التبعية لـ”القاعدة” والانقلاب على “تحرير الشام”.

واستمرت اللقاءات والمشاورات بين “تحرير الشام” وبقية الفصائل، بعد التوقيع على حلّ الخلاف مع “الزنكي” منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، ما عنى أن الاجتماع الأخير الذي أعلن عنه منذ أيام، كان ثمرة اجتماعات ولقاءات سابقة توصلت خلالها الفصائل لاتفاق مع “تحرير الشام” بشكل مبدئي على تشكيل غرفة عمليات بشرط تنفيذ البنود الخاصة برد الحقوق والإفراج عن المعتقلين.

فصائل المعارضة المسلحة؛ “جيش النصر” و”الفرقة 23″ و”جيش ادلب الحر” و”جيش العزة” و”جيش النخبة”، أثبتت جدارتها على مدى شهرين تقريباً من المعارك المتواصلة مع مليشيات النظام، لكنها تفتقد العدة والعتاد الكافيتين لتغطية الجبهات التي بدأت تتوسع بشكل متصاعد خلال الأٍسبوعين الماضيين. ولا تتجاوز أعداد عناصر كل من تلك الفصائل بضع مئات. وفي ظل تمدد تنظيم “الدولة”، اضطرت الفصائل لتغطية الجبهات التي أخلتها “تحرير الشام” مع مليشيات النظام، بعدما ركزت الهيئة كامل ثقلها في مواجهة التنظيم. فصائل المعارضة و”الهيئة” تعرضت لخسارات كبيرة، في الآونة الأخيرة.

تنظيم “الدولة” حصل على تسهيلات من مليشيات النظام، خاصة بالتغطية النارية والذخيرة والسماح بمرور المئات من عناصره قادمين من عقيربات والبادية، ما مكّنه من البقاء والتمدد. إلا أن عوامل أخرى كانت سبباً خلف فشل “الهيئة” في القضاء على التنظيم الذي تزايدت أعداد عناصره في المنطقة بدل أن تنقص رغم الخسائر التي مني بها. وتعتبر مناطق السعن والرهجان والقرى التابعة لناحية الحمراء في ريف حماة الشمالي الشرقي، وتلك التابعة لريف ادلب الجنوبي الشرقي في سنجار وقرى معرة النعمان الجنوبية، مناطق يغلب عليها الطابع العشائري. وهي مناطق الانتشار الأكبر لـ”لواء الأقصى” في سوريا منذ نشأته، ويلقى فيها تعاطفاً كبيراً. وكان كافياً انتساب عدد قليل من أبناء بعض القرى أو العشائر لـ”لواء الأقصى” لضمان ولاء الجميع. وعلى إثر قتال عنيف مع الفصائل و”تحرير الشام”، تم طرد “اللواء” من تلك المناطق، ليلتحق بـ”الدولة الإسلامية” في الرقة وبادية حلب الجنوبية، أواخر العام 2016.

ولا تمتلك “تحرير الشام” حاضنة عشائرية في تلك المنطقة، على غرار جبل الحص وتل الضمان في ريف حلب الجنوبي، ولا أنصار فعليين لها يمكن أن يمدوها بالحماية. على العكس، وفّر بعض أهالي القرى من المتعاونين مع التنظيم، الغطاء للمتسللين الذين قتلوا العشرات من عناصر “الهيئة” في عمليات أمنية مفاجئة. وفي كثير من الأحيان تسبب ذلك بتمدد التنظيم في عدد من القرى دفعة واحدة. ومعظم عناصر “جيش النخبة” التابع لـ”تحرير الشام” والذي يقاتل التنظيم في ريف حماة، هم من ضواحي حلب الشمالية والغربية، وقتل منهم أكثر من 30 عنصراً دفعة واحدة مطلع كانون الأول/ديسمبر في عملية أمنية نفذها التنظيم في قرى قرب أبو عجوة.

الموقف السلبي للمجتمع العشائري في منطقة المعارك مع تنظيم “الدولة” في ريف حماة دفع “الهيئة” وفصائل المعارضة المسلحة لاتخاذ إجراءات أمنية أكثر صرامة للتخفيف من عمليات الاختراق ووقف دفعات الأسلحة والذخائر التي وصلت التنظيم قادمة من ادلب. “الهيئة” نفذت اعدامات ميدانية بحق عدد كبير من المهربين وعناصر الخلايا الأمنية والمتعاونين مع التنظيم في المنطقة، ولم يحوّل سوى عدد قليل منهم إلى سجون “الهيئة”، على عكس سياساتها السابقة.

لم تكن معارك ريف حلب الجنوبي مع مليشيات النظام في جبل الحص وتل الضمان غربي خناصر أقل ضراوة من معارك ريف حماة، لكن التركيبة العشائرية هناك الموالية لـ”الهيئة” ولجماعات “أحرار الشام” التي تم دمجها في صفوف “الهيئة” كان لها الفضل في ثبات الجبهات بشكل أكبر. ولم تحقق مليشيات النظام هناك تقدماً برياً كبيراً على الرغم من المحاولات المتكررة، شبه اليومية، على مدى شهر تقريباً، وبتغطية نارية جوية ومدفعية. وجود كتائب تابعة لفصائل المعارضة مثل “الفرقة 23″ و”فيلق الشام” و”جيش النصر” التي تمتلك صواريخ مضادة للدروع في جبهات جبل الحص عزز من فاعلية عمليات الصد والهجمات المعاكسة التي كانت ناجحة في معظمها.

وبدأت الحملة الأمنية التي شنتها “الهيئة” ضد “أنصار الفرقان” التابع لتنظيم “القاعدة”، بتخفيف وتيرتها خلال الأيام القليلة الماضية، بعدما حققت الأهداف الأهم منها. “الهيئة” أطلقت سراح زعيم الجماعة البارز الشرعي السابق في “جبهة النصرة”، سامي العريدي، المُعلن عن التزامه ببيعة زعيم “القاعدة” أيمن الظواهري، الإثنين، وذلك بعد أيام على إطلاق سراح إياد الطوباسي “أبو جليبيب الأردني”.

“الهيئة”، وعلى مدار أسبوعين من الحملة الأمنية، كانت قد تمكنت من اعتقال أبرز الشخصيات التي تنتمي لـ”القاعدة” و”لواء الأقصى” في سرمين والنيرب وغيرها من قرى ريف ادلب، وصادرت كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر وداهمت مخازن وورشات التصنيع المشتبه بها. إلا أنه أصبح من الضروري إيقاف الحملة، بعدما تسببت بتصدع صفوف “تحرير الشام”، وتعليق عدد من مكوناتها الشرعية والعسكرية العمل إلى حين إطلاق سراح قادة “أنصار الفرقان”.

وما زالت المعارضة تُحمّل “الهيئة” أي خسارة في المناطق شرقي سكة الحجاز، فالجولاني برأيها هو المسؤول الأول، بعدما قاتل الفصائل وفككها وأخرجها من الساحة، ثم لم يستطع تغطية الفراغ الذي حدث فكانت الكارثة. وما يزال طيف واسع من المعارضة يرى أن الجولاني يريد ادخار جنوده لمعركة السلطة في ادلب ومحيطها، والتضحية بمن تبقى من جنود الفصائل في معركته مع تنظيم “الدولة”. ويرى هؤلاء أن دعم الجولاني في معركته ضد التنظيم عبثية لا طائل منها، ويشككون بوعود “الهيئة” بخصوص رد المظالم وإعادة السلاح المنهوب للفصائل، وإطلاق سراح المعتقلين لديها كأبو عزام سراقب، وأبو عبدالله الخولي، وعبدالله قنطار، وأحمد رحال، وغيرهم من قادة وعناصر الفصائل.

تطورات المرحلة القادمة التي تحمل في طياتها وعيد النظام والتنظيم بالمزيد من التصعيد ودخول عمق إدلب، تفرض على فصائل المعارضة التنازل عن الكثير من القضايا العالقة، وتجبر “الهيئة” على تسريع تطبيق التفاهمات التي تضمن خلق علاقة مصلحية جديدة بين الجميع في ظل الخطر الداهم.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد