رضوان زيادة يكتب: السوريون ومؤتمر سوتشي

يبدو أن روسيا مصرة في أي شكل من الأشكال على إفشال مفاوضات جنيف من أجل بث الروح في محادثات آستانة التي ترعاها هناك بالتعاون مع تركيا وإيران. لقد بدا واضحاً أن روسيا تفكر في ما بعد الحرب في سورية وبالعوائد الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها كما أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي في زيارته الأخيرة إلى سورية.

لكن التحدي الرئيسي ما زال أن إعلان انتهاء الحرب في سورية ما زال بعيداً وربما بعيداً جداً في ظل الرغبة الروسية في التهدئة وعدم الحسم مع الجيوب المتبقية للمعارضة في إدلب والغوطة الشرقية وريف حماة وغيرها من المناطق، وفي الوقت ذاته إدراك روسيا إفلاس الحكومة السورية وعدم قدرتها على تحمل تبعات إعادة الإعمار، بالتالي تجد في هذا المدخل فرصة دائمة لإهانة الرئيس السوري كما حصل في زيارة الرئيس بوتين الأخيرة قاعدة حميميم الروسية في سورية حيث مُنع الأسد من جانب جندي روسي من مرافقة الرئيس الروسي خلال توجهه إلى منصة التتويج، وعليه لا ترى روسيا فائدة اقتصادية حقيقية من بقائها في سورية، لكنها تجد فيها فرصة لزيادة حضورها وتأثيرها الدولي ومنافسة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي، لكن مع انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط تحت إدارة ترامب وتبني أجندة «أميركا أولاً»، لا تجد روسيا فائدة من مناكفة الولايات المتحدة دولياً وأصبحت تفكر أكثر في الجدوى الاقتصادية من تدخلها المكلف في سورية.

لذلك، فهي ترغب في إدارة المرحلة الانتقالية من خلال آستانة لا جنيف، بحيث تسيطر تماماً على مخرجاتها ولا تسمح للسوريين بقول الكلمة الفصل أو اتخاذ القرار النهائي في شأن ذلك، وهو السبب الذي دعا الرئيس بوتين إلى الدعوة إلى مؤتمر سوتشي الذي تأجل مرات عدة، وربما يعقد في عام 2018 بهدف «الحوار بين السوريين» لكن جميع المؤشرات تدل على أنه لن يضع نهاية للحرب السورية بسبب التدخلات الروسية وعدم اتضاح أجندته والمخرجات النهائية الخاصة به، لذلك فمن المؤكد أن قوى المعارضة السورية كلها ربما لن تشارك في المؤتمر.

شاركت المعارضة السورية في مفاوضات آستانة بناء على رغبة الجانب التركي، وقد توصلت إلى رؤية في ما يتعلق بالتعامل مع ملف المعتقلين السياسيين والمفقودين، لكن رفض النظام السوري التوقيع على اتفاق من أجل حل قضية المعتقلين السياسيين الذين يقدر عددهم بمئات الآلاف في سجون النظام السوري، جعل المفاوضات بلا معنى ومن دون أي أجندة، وفي اليوم الأخير من المحادثات طرحت روسيا الدعوة إلى مؤتمر سوتشي الذي ترفض المعارضة السورية حضوره من دون وجود أجندة واضحة أو رؤية لمخرجات الاجتماع.

لقد بدت محادثات آستانة أشبه بالمفاوضات الدولية حول سورية من دون أن يشارك فيها السوريون، فالنتائج تبدو معدة مسبقاً والبيان الختامي غالباً يتم الاتفاق عليه مسبقاً من جانب ما يسمى الدول الضامنة وهي روسيا في شكل أساسي وتركيا وإيران، على رغم أن النظام السوري لم يحترم اتفاق وقف النار أو ما يسمى مناطق خفض التصعيد في الأماكن المتفق عليها، لا سيما في الغوطة الشرقية، حيث نرى صور الحصار والتجويع تتالى من دوما وحرستا وغيرها من المناطق التي يفرض عليها النظام حصاراً مطبقاً من دون الاكتراث بالقرارات الدولية، بخاصة القرار 2268 المتضمن السماح بالمساعدات الإغاثية والإنسانية لمناطق الحصار وللمناطق التي هي في حاجة إليها.

لذلك، لا يتوقع أن تقود الجولة الجديدة من محادثات آستانة المقبلة إلى نتيجة مختلفة مع تشدد النظام السوري ورفضه بحث مسألة المعتقلين وعدم ضغط روسيا على نظام الأسد للتعامل مع ملف المعتقلين وفك الحصار عن الغوطة بجدية.

إن جميع قوى المعارضة السورية ترفض المشاركة في مؤتمر سوتشي من دون وضوح الأجندة الخاصة به والمخرجات التي يمكن أن تنتج منه، وهو ما ليس واضحاً لدى الطرف الروسي الجهة الداعي إلى المؤتمر، وليس واضحاً ما إذا كانت روسيا متمسكة بعقد المؤتمر مهما كان الثمن ومن دون وضوح الأجندة أو قائمة المدعوين إلى المشاركة، ومن سيتحمل تكلفة عقد المؤتمر حيث إن موسكو نادراً ما تتحمل تكاليف عقد هذه المؤتمرات السياسية.

لذلك، يمكن القول أن هناك أسئلة كثيرة حول مؤتمر سوتشي وأجوبة قليلة، لذلك علينا أن ننتظر توضيحات من الجانب الروسي في شأن عقد المؤتمر من عدمه.

لكن، يجب أن تضع روسيا في ذهنها دوماً وهي تعد للتحضير لمؤتمر سوتشي أنه لن يكون نهاية الأزمة السورية ولن يتمكن اللاجئون السوريون من العودة إلى وطنهم ما دام بشار الأسد في الحكم، وجميع التغييرات في المواقف الدولية لن تغير حقيقة أن نظام الحكم الذي فرضه الأسد لن يقنع السوريين بالعودة إليه أو إقناعهم بأن كل التضحيات التي بذلوها على مدى السنوات السبع الماضية ستعود بهم إلى شكل نظام الحكم نفسه في القتل والتعذيب والاضطهاد.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد