كبير المفاوضين السابق يشرح أهداف وغاية روسيا من “سوتشي”

مساعٍ حثيثةٌ تبذلها روسيا من أجل عقد ما بات يُعرَف بـ “مؤتمر الحوار الوطني” في مدينة “سوتشي”، ويأتي ذلك بالتوازي مع التحضير لعملية عسكرية بريف حماة الشرقي وإدلب الجنوبي، حيث بدأ بالفعل التمهيد الجوي منذ يومين على تلك المناطق.

ولمعرفة أهداف وغاية روسيا من الإصرار على انعقاد المؤتمر الذي فشلت قبل شهرين بتحديد موعد له، أجرت شبكة “نداء سوريا” حوارًا مفتوحًا مع كبير المفاوضين السابق في وفد المعارضة السورية إلى جنيف “محمد صبرا”… فإلى الحوار كاملاً:

 ما هو تقييمكم لأداء المعارضة السورية خلال المفاوضات الأخيرة؟

صبرا: هناك أكثر من علامة استفهام على سلوك أو على التعليلات التي تسوقها المعارضة لتبرير بعض التنازلات أو قبولها ببعض المتطلبات الدولية، أنا دائماً أميز بين شيء اسمه المعارضة وشيء اسمه الثورة، وأقول إن المعارضة صاحبة مشروع سياسي مكمل لمشروع السلطة، شِئْنا أم أبينا؛ فالمعارضة لا تهدف إلى تغيير النظام وإنما إلى السلطة الحاكمة داخل النظام، وهذا هو التعريف المنهجي لها، والثورة مُعطًى مختلف؛ فهي حركة اندفاع مجتمعي تهدف إلى تغيير مجمل الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية داخل الدولة، فمشروع الثورة متقدم بشكل كبير؛ لأنه يهدف إلى تغيير البنية الأساسية للنظام وتغيير التفاهمات المجتمعية القائم عليها والعقد الاجتماعي.

الإشكالية الكبرى التي تظهر الآن هي ما تسوقه المعارضة من أن الواقعية تقتضي القبول ببعض المتطلبات الدولية، ونحن نقول عندما بدأت الثورة السورية كان نظام الأسد يسيطر على 110% من مساحة سوريا والمقصود سوريا ولبنان، ومع ذلك خرج الشعب السوري يطالب بإسقاطه، ولم يكن يملك أحد رصاصة، في حين كان يملك هو جيشاً مُدجَّجاً وأفرعاً أمنية، ويملك علاقات دولية طيبة، واليوم في 2017 بشار يقاتل بـ 70 ألف مقاتل، وعلى الرغم من كل ما قام به حلفاؤه لا يسيطر إلا على 50% من سوريا، ويقال لنا إن الميزان العسكري تغيَّر فيجب التحلي بالواقعية السياسية!! هذه تشاركية مع النظام باحتقار الشعب السوري لأن النظام أيضاً لا يقيم وزناً للشعب وإنما فقط للرؤية الدولية.

الدول لم تكن تهدف إلى إسقاط الأسد ولذلك لا يجوز أن نقول بما أن دول العالم تراجعت عن مطلب إسقاطه فيجب علينا التراجع، مطلب إسقاط بشار الأسد هو مطلب سوري، ومن ستمثل الثورة عليه الالتزام بطلبات السوريين وليس دول الجوار.

هل تمكنت المعارضة فعلاً من إحراج النظام بعد إبداء “الواقعية” في جنيف 8؟

صبرا: النظام قتل حوالي مليون مواطن سوري ودمر غالبية البلاد واستخدم السلاح الكيماوي، ولم تبق جريمة حرب مذكورة في المواثيق الدولية إلا وارتكبها النظام من اعتقال وقتل جماعي إلى الترحيل والاغتصاب، ولم يُحرَج، ومن ثَمَّ ذهاب وفدٍ مفاوض إلى جنيف بسقف منخفض لن يحرج النظام أمام حلفائه.

روسيا وإيران لم تكونا يوماً مؤمنتين بالعملية السياسية في جنيف، وموسكو أفرغت العملية السياسية من أي مضمون، سواء كان باختراع مسار أستانة أو مسار سوتشي، وكذلك ما قامت به على الأرض، روسيا تريد من السوريين استسلاماً كاملاً يضمن بقاءً طويلَ الأمد بالنسبة لهم.

عندما ذهب النظام إلى جنيف لأن روسيا كانت محرجة من المجتمع الدولي وكان هناك تصاعُد باللهجة الدولية ضد جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الروسية، لكنها لا تريد أن تحقق أي مضمون في جنيف، ومن ثَم كل ما يفعله النظام في المفاوضات هو جزء أساسي من إدارة اللعبة التي يقوم بها الإيرانيون والروس.

فالقول بأننا سنتنازل ونذهب لنحرج النظام وخاصة أمام حلفائه الحريصين على الحل السياسي نوع من العبث، وهذه خدعة للشعب السوري، فالحريص على الحل السياسي لا يدمر المدن كما فعلت روسيا في حلب وريف دمشق وغيرها، ولا يقوم بضرب المعارضة بالكامل وخاصة ما يسمى (معارضة معتدلة)، بسبب الوحشية الروسية لا يوجد اليوم فصائل معتدلة بالمعنى الحقيقي، ومحاولة إيهام الناس أن موقف روسيا مختلف عن النظام هي خدعة للشعب السوري، وتفكير يقوم على إيهام الذات، وهذا خطأ لا يصدر إلا عن ساهٍ أو لاهٍ أو عابث أو متعمد أو جاهل بأبسط المبادئ.

 ماذا تريد روسيا من عقد مؤتمر سوتشي؟

صبرا: ما يريده الروس من مسار سوتشي هو تحويل بنية الصراع في سوريا، فالصراع في سوريا يقوم على ثنائية نظام ومعارضة من ناحية، وأن جوهره وأساسه صراع سياسي بسبب استبداد النظام وعنفه وإجرامه وبنيته السياسية الفاسدة، ومسار سوتشي ينقل ما يحصل في سوريا إلى حيز آخر وهو “الصراع المجتمعي” القائم على فكرة الاختلاف على شكل الدولة، ومن ثَمّ فالمؤتمر سيبحث فقط بالدستور، والدستور هو العقد الاجتماعي الذي تتوافق عليه شرائح المجتمع وطوائفه وأعراقه ومذاهبه وقواه السياسية والمجتمعية والاقتصادية من أجل التفاهم على اجتماع سياسي يعبّر عنه بشكل الدولة وشكل السلطات الحاكمة، فمؤتمر سوتشي
هو تغيير لمفهوم الصراع الأساسي في سوريا وسحب النظام كطرف فيه، وتحويله إلى صراع بين القوى المجتمعية المختلفة كأعراق ومذاهب ومناطق جغرافية، وهذا ما تعبّر عنه روسيا بمفهوم “صياغة الدستور”.

 ما رأيكم في طرح اسم فاروق الشرع كرئيس للمؤتمر؟

صبرا: إطلاق إشاعة “ترؤُّس فاروق الشرع للمؤتمر” ليس الهدف منها هو شخص الشرع؛ وإنما النصف الثاني من الجملة وهو كلمة “ترؤُّس”، وهذا يعني أن هناك مؤتمرَ حوار شعبي ينعقد وتترأسه السلطة الحاكمة، وهذا ليس فقط تثبيت بشار الأسد وإنما إعطاء الشرعية لكل ما قام به النظام سابقاً، وجعله الآن حكماً بين فئات المجتمع وإظهاره أنه الذي يدير الصراع المجتمعي وهذا دور أي سلطة شرعية تحكم مجتمعاً مستقراً.

 ما هي الرسائل من الإهانة المتكررة من الروس لبشار الأسد؟

صبرا: الروس يريدون من الأمريكان أن يعترفوا بهم كشركاء في إدارة الشرق الأوسط من العالم، ومن ثم فالروس يحاولون أن يقولوا بشار الأسد ملك يَدَيْنا، فإذا أردتم إنجاز تسوية شاملة تتعلق بالمنطقة وثمن ذلك هو إزاحة “الأسد” فتعالوا وتفاوضوا معنا.

ما تريده روسيا في سوريا يتجاوز سوريا، ووجودها فيها، تريد منه تثبيت مناطق نفوذ عالمية، فهي تريد تثبيت وضعها في شمال أوكرانيا، وكذلك نفوذها شمال إفريقيا والشرق الأدنى ومنطقة جنوب غرب آسيا، ويبرمون الآن اتفاقيات مع مصر والسودان وغيرها من أجل التأكيد على عودتهم كقطب دولي، ومن ثم هذه الإهانات المتكررة للأسد والإشارات ليست موجهة للسوريين؛ ولكنها في إطار “البازار” الأمريكي – الروسي الممتد حول مناطق النفوذ في العالم، ولا يبنى سياسات عليها، خاصة أننا لسنا جزءاً من عملية إعادة توزيع النفوذ التي يقودها بوتين ويطرحها على الاتحاد الأوروبي وأمريكا.

هل يمكن القول: إن الدول الإقليمية والعالمية سلمت الملف السوري لروسيا؟

صبرا: روسيا في سوريا أضعف مما يتم التسويق له، هي استخدمت فائض قوة كبيرة وحطمت ودمرت وارتكبت جرائم، لكن على المستوى السياسي أضعف من أن تنجز تسوية حقيقية في سوريا، فهي محاصرة في روسيا نفسها، لم تستطع أن تمنع حلف الناتو أن ينزل قواته في لاتفيا، ولم تستطع أن تمنع حلف الناتو من محاصرتها في مفاوضات مع فنلندا وقرغيزستان لضمها، وتعاني من حصار كامل في أراضيها ولا يمكن أن تكون مُحاصَرة هناك وقوية في سوريا.

أشبه الروس بلاعب القمار الذي ربح مالاً كثيراً لكن عبارة عن “فيش بلاستك”، ومن أجل تحويله إلى نقد لا بد من موافقة أمريكية، والموافقة لم تأتِ إلى الآن، ما يحاول الروس القيام به هو بيع “فيش البلاستك” لبعض دول الجوار من أجل الحد من خسائرهم التي ستأتي لاحقاً، لا تستطيع موسكو أن تبقى طويلاً لأنها أعجز من أن تستثمر إنجازها العسكري على المستوى السياسي في المدى الطويل.

فكرة الروس في الحل السياسي قائمة على جمع المتناقضات وهذا غير ممكن لأنه سيحدث انفجار، وكل الخطوات الروسية ليس فقط آيلة للزوال، ولكنها تريد أن تخلص نفسها من مأزق بات يدركه بوتين وقادم على الطريق خلال عام 2018، ويحاول ذلك بمساعدة بعض “السوريين” عبر القوة العسكرية والترويج أن “الفصائل تم تحطيمها من قِبل الروس فعلى المعارضة السورية أن تتنازل”.

هناك صراع استراتيجي كبير على مستوى كل دول الإقليم، ولا ننسى المحور الروسي – الإيراني الذي يحاول الآن أن يضم تركيا وقطر، ومحاولات ضم الأردن، مقابل المحور الآخر؛ فهذا يشعل صراعاً يتجاوز الحدود السورية ويمتد إلى كامل الإقليم، من ثم لا نتخيل أن روسيا قادرة على أن تفعل شيئاً كبيراً جداً ، وما قامت به حتى الآن يندرج ضمن “عدم الممانعة الأمريكية” وهذا شيء مختلف عن القبول والرفض، الولايات المتحدة الأمريكية في الملف السوري لم تحدد ما تريد لأن سوريا في حساباتها ليست بتلك الأهمية التي نتخيلها، وحددت فقط ما لا تريده، فقامت روسيا بالخطوات التي لا تصطدم مع المحرمات الأمريكية.

ما رأيكم بتصريحات دي ميستورا الأخيرة حول فقدان المعارضة للدعم؟

صبرا: دي ميستورا قال لنا في شهر آذار عام 2017 عندما عاد من عمان من قمة وزراء الخارجية العربية: إن الدول لا تريد إزاحة بشار الأسد، وإن العالم تخلى عن المعارضة وعليكم أن تتحلوا بالواقعية والذكاء، ورددت عليه شخصياً بكلام أغضبه حتى حدّ الخروج من القاعة، قلت له: “هذا الكلام غير مقبول من مبعوث دولي، ومن قال لك بأن السوريين ينتظرون من العالم رأيهم ببشار الأسد… فجرائمه ارتكبها في سوريا، ومسألة الدعم العسكري أو غيره ندرك أنه منذ عام 2012، قامت كل دول العالم بما فيها الولايات المتحدة بالخطوط الحمراء من أجل عدم إسقاط النظام عسكرياً”.

 ما هي خيارات الثورة السورية في مواجهة المسار الروسي؟

صبرا: السوريون قالوا كلمتهم منذ عام 2011 ولا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والثورة مستمرة ونراها في حالة الرفض في الداخل وفي حالة الرفض داخل المخيمات وبلاد اللجوء، ولا يمكن لأي عسكري أن يدعي أنه يمثل الثورة ويقول إن دول العالم تغير موقفها ولم يعد هناك دعم كافٍ ومن ثم مضطر للتنازل، الأمر نفسه ينطبق على السياسي الذي يقول إنني إن لم أوافق فسيخرجوني من اللعبة، الثورة ليست لحماية بندقية العسكري ولا كرسي السياسي.

التمرد العسكري مختلف عن الثورة، التمرد العسكري يهدف إلى انتزاع الأرض من قوات النظام السوري، أما الثورة فتهدف إلى تغيير النظام وإزاحته، استمرت الثورة حتى منتصف عام 2012 دون فصائل عسكرية بالمعنى الكامل، فالتمرد العسكري هو مُرافِق للثورة لكنه ليس هو الثورة، فإذا انتهى التمرد العسكري بسبب وقف الدعم أو تفتُّت الفصائل فهذا لا يعني أن المَطالب انتهت، البندقية رُفعت على أساس أنها لحماية حرية السوريين وتحقيق مطالبهم، فلا يجب التضحية بحقوق السوريين ومطالبهم من أجل حماية البندقية، إذا كان ثمن حماية بنادق الفصائل هو التضحية بكرامة السوريين وحقوقهم وعرضهم فلتذهب البندقية إلى الجحيم، والفصيل الذي يحاول الحفاظ على بقائه عبر التنازل للروس وغير الروس فهذا يصبح عدوًّا للثورة والسوريين، من يعجز عن حماية بندقيته عليه أن يخرج من الميدان ولا يتنازل ويحمّلنا عبء هذا التنازل عبر الادعاء أنه كان يقاتل من أجلنا، هو قاتل من أجله وأهدافه الخاصة.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد